أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

106

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

معرفة مولاه لم يطلب من سواه ، ومن أودع في سر غيبه الجهل بمولاه تعلق بما سواه ، وهكذا أحوال الظاهر تابعة لأحوال الباطن كما تقدم في قوله : « تنوعت أجناس الأعمال لتنوع واردات الأحوال » ، فالأسرّة تدل على السريرة ، والكلام صفة المتكلم ، وما فيك ظهر على فيك ، وكل إناء بالذي فيه يرشح ، وما خامر القلوب فعلى الوجوه أثره ، واللّه تعالى أعلم وأعظم ما استودع في غيب السرائر معرفة اللّه ، وهي على قسمين : معرفة البرهان ، ومعرفة العيان ، أشار إلى الفرق بينهما فقال : 29 - شتّان بين من يستدلّ به أو يستدلّ عليه ، المستدلّ به عرف الحقّ لأهله فأثبت الأمر من وجود أصله ، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه ، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه ؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه . شتان : بمعنى بعد وافترق ، ولا تكون إلا في افتراق المعاني دون الحسيات . قلت : اعلم أن الحق سبحانه لما أراد أن يتجلى بأسرار ذاته وأنوار صفاته أظهر بقدرته قبضة من نوره الأزلي ، فاقتضت القدرة ظهور آثارها وشهود أنوارها ، واقتضت الحكمة إسدال حجابها وإظهار أستارها ، فلما أفرغت القدرة نورها في مظاهر الكون أسدلت عليها الحكمة رداء الصون ، فصارت الأكوان كلها نورا في حجاب مستور . ثم إن الحق سبحانه قسم الخلق على قسمين وفرقهم فرقتين : قسم اختصهم بمحبته ، وجعلهم من أهل ولايته ، ففتح لهم الباب وكشف لهم الحجاب ، فأشهدهم أسرار ذاته ، ولم يحجبهم عنه بآثار قدرته ، وقسم أقامهم لخدمته ، وجعلهم من أهل حكمته أسدل عليهم حجاب الوهم وغيب عنهم نور العلم والفهم ، فوقفوا مع ظواهر القشور ، ولم يشهدوا بواطن النور مع شدة الظهور ، فسبحان من أخفى سره بحكمته ، وأظهر نوره بقدرته .